محمد بن جرير الطبري

73

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يا أمير المؤمنين إنا نمكث الشهر والشهرين لا نجد الماء فقال عمر : أما أنا فلو لم أجد الماء لم أكن لأصلي حتى أجد الماء . قال عمار بن ياسر : أتذكر يا أمير المؤمنين حيث كنا بمكان كذا وكذا ، ونحن نرعى الإبل ، فتعلم أنا أجنبنا الجنب ؟ قال : نعم فأما أنا فتمرغت في التراب ، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن كان الصعيد لكافيك " ، وضرب بكفيه الأرض ، ثم نفخ فيهما ، ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه التيمم ؟ فقال : اتق الله يا عمار فقال : يا أمير المؤمنين إن شئت لم أذكره ، فقال : لا ، ولكن نوليك من ذلك ما توليت . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن الحكم ، قال : سمعت إبراهيم في دكان مسلم الأعور ، فقلت : أرأيت إن لم تجد الماء وأنت الجنب التيمم جنب ؟ قال : لا أصلي . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك ، أن الجنب ممن أمره الله بالتيمم إذا لم يجد الماء والصلاة بقوله : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً وقد بينا ثم أن معنى الملامسة في هذا الموضع : الجماع بنقل الحجة التي لا يجوز الخطأ فيما نقلته مجمعة عليه ولا السهو ولا التواطؤ والتضافر ، بأن حكم الجنب في ذلك حكم سائر من أحدث فلزمه التطهر لصلاته ، مع ما قد روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخبار التي قد ذكرنا بعضها وتركنا ذكر كثير منها استغناء بما ذكرنا منها عما لم نذكر ، وكراهة منا إطالة الكتاب باستقصاء جميعه . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا هل ذلك أمر من الله بالتيمم كلما لزمه طلب الماء أم ذلك أمر منه بالتيمم كلما لزمه الطلب وهو محدث حدثا يجب عليه منه الوضوء بالماء لو كان للماء واجدا ؟ فقال بعضهم : ذلك أمر من الله بالتيمم كلما لزمه فرض الطلب بعد الطلب محدثا كان أو غير محدث . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، عن الحجاج ، عن أبي إسحاق ، عن الحرث ، عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول : التيمم لكل صلاة . حدثني المثنى ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا هشيم ، قال : أخبرنا الحجاج ، عن أبي إسحاق ، عن الحرث ، عن علي ، مثله . حدثني عبد الله بن محمد ، قال : ثنا عبدان المروزي ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا عبد الوراث ، قال : أخبرنا عامر الأحول ، عن نافع أنه حدثه ، عن ابن عمر مثل ذلك . أبو كريب ، قال : ثنا جابر بن نوح ، قال : أخبرنا مجالد ، عن الشعبي ، قال : لا يصلى بالتيمم إلا صلاة واحدة . حدثنا المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن سعيد ، عن قتادة ، قال : يتيمم التيمم لكل صلاة . ويتأول هذه الآية : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً قال أخبرنا ابن المبارك ، قال : ثنا الفريابي ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن سعيد وعبد الكريم بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، قالوا : التيمم لكل صلاة . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو داود ، قال : ثنا عمران القطان ، عن قتادة ، عن النخعي ، قال : يتيمم التيمم لكل صلاة . وقال آخرون : بل ذلك أمر من الله بالتيمم بعد طلب الماء من لزمه فرض الطلب إذا كان محدثا ، فأما من لم يكن أحدث بعد تطهره بالتراب فلزمه فرض الطلب ، فليس عليه تجديد تيممه ، وله أن يصلي بتيممه الأول . ذكر من قال ذلك : حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا سفيان بن حبيب ، عن يونس ، عن الحسن ، قال : التيمم بمنزلة الوضوء . حدثنا إسماعيل بن موسى السدي ، قال : ثنا عمر بن شاكر ، عن الحسن ، قال : يصلي المتيمم التيمم بتيممه ما لم يحدث ، فإن وجد الماء فليتوضأ . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : أخبرنا هشام ، عن الحسن ، قال : كان الرجل يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم يحدث ، وكذلك التيمم . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : أخبرنا هشام ، عن الحسن ، قال : كان الرجل يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد التيمم . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو داود ، قال : ثنا أبي ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال : يصلي الصلوات بالتيمم ما لم يحدث . حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا سفيان بن حبيب ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : التيمم بمنزلة الوضوء . قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب قول من قال : يتيمم المصلي لكل صلاة لزمه طلب الماء للتطهر لها فرضا لأن الله